محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
101
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
القرآن يستخدم بشكل واسع كلا الشكلين أو كلتا الصيغتين في التعبير . ولكن التحليل العميق يكشف لنا أن البنية الأساسية للنصّ ككل تتمثّل بالحوار حيث نجد أن « صيغتين لغويتين في حالة الشراكة تجدان نفسيهما مسئولتين عن الكلام أو القول بالتناوب . وهذا الإطار يتشكل بالضرورة مع الكلام ذاته » « 1 » . من السهل تبيان أن الحكايات أو القصص القرآنية تحصل داخل الإطار العام للحوار . فهناك متكلّم أعظم « 2 » مهيمن على النصّ القرآني كله « * » . وهو يتدخل صراحة في النصّ لكي يحوّل جذريا وعي المتلقّي . وعن طريق هذه التدخلات المستمرة للمتكلّم الأعظم ، يحصل الانتقال من المعنى الصحيح الأمثل ( أي التوجّه الأمثل أو الهدى كما يقول القرآن ) إلى الصيغ اللفظية والنحوية التي تمارس دورها بعدئذ بصفتها انعكاسات للمعنى الأصلي الأمثل وللعلامات المحفّزة من أجل توليد متكلّمين جدد للمعاني الثانية ( انظر بهذا الصدد كل الأدبيات التفسيرية ، أي كتب تفسير القرآن ) . وحتى لو قصرنا حديثنا على الآيات المستشهد بها سابقا ، فإننا نستطيع أن نجد العناصر الأساسية ل « الجهاز اللغوي للقول أو للكلام » في القرآن . سوف نكتفي بتعدادها هنا ، أو بذكرها مجرد ذكر ، لأننا كنا قد درسناها تفصيلا في مكان آخر « 3 » . نجد أولا بنية العلاقات بين الضمائر ( أنا ، هو ، أنت ، نحن ، هم ، أنتم . . . ) . وهذه البنية تميّز كلية النصّ القرآني لأنها متواجدة على مداره « * * » . ولكن داخل هذه البنية يمكن
--> - بجزئيه الأول والثاني : ، Gallimard ، Paris ، II ، I ، linguistique de Problemes : E . Benveniste . 1974 ، 1966 ( 1 ) انظر : إميل بنقينيست : المصدر نفسه ، الجزء الثاني ، ص 85 . ( 2 ) إنّي أستخدم الحرف الكبير بالفرنسية لكتابة مفهوم المتكلّم - الناطق Enonciateur وليس الحرف الصغير . enonciateur وأريد بذلك التدليل على الدور اللغوي المهيمن ل « أنا » أو لذات معيّنة ومضخّمة في بنيان الكلام المنطوق ( أو الخطاب ) . فهذا الناطق - المتكلّم الجبار يهيمن على الخطاب القرآني من أوله إلى آخره . * هذا المتكلّم الأعظم يجبل اللغة جبلا ويستخدمها بطريقة تؤدي إلى تغيير عقلية السامع . وينعكس ذلك على تراكيب اللغة ومفرداتها إلى حد أن أي شخص واقع تحت تأثير اللغة القرآنية لا يعود يستطيع مقاومة هذا التأثير أو التخلّص منه إلّا بشقّ النفس . أما المعاني الثانية فيقصد بها أركون شروحات القرآن أو التعليقات والتفاسير التي أثارها منذ البداية وحتى الآن . فالقرآن هو اللغة الأولى أو المعنى الأول ، والتفاسير هي المعنى الثاني أو اللغة الثانية التي تعيش على اللغة الأولى . بهذا المعنى يمكن القول بأن القرآن هو النصّ التأسيسي الأول الذي أثار نصوصا ثانية عديدة حتى اليوم . ( 3 ) انظر دراستنا : « قراءة سورة الفاتحة » ( المبحث الثالث في هذا الكتاب ) وهو بالأصل منشور في كتاب قراءات في القرآن ( بالفرنسية ) 41 . p ، ( Fatiha de Lecture ) ، . op . cit ، Coran de Lectures : . M . Arkoun * * يتخذ تحليل أركون هنا طابعا ألسنيا أو لغويا محضا . وهذا شيء مهم جدا على الرغم من وعورته -